نصوص

النفس النقيَّة/ كارلوس فوينتس

نقلها عن الإسبانيّة: وضّاح محمود

***

إلى برتا مالدونادو

“إنّ المناورات اللاواعية للنفس النقيَّة أكثرُ فرادةً وإدهاشًا من ألاعيب الشرّ” (ريمون راديغيه، حفلة الكونت دورجيل)

 خوان لويس، أفكّرُ فيكَ وأنا أجلسُ في مقعدي، في الحافلةِ التي تُقِلّني من المحطّة إلى المطار. لقد تعمَّدتُ الخروجَ مبكّرًا؛ فأنا لا أريدُ أن أرى مسبّقًا وجوهَ مَن سيسافرون معنا في الطائرة. هؤلاء، مَن في الحافلة الآن، هم المسافرون على رحلة الخطوط الإيطاليّة إلى ميلانو. أمّا المسافرون على رحلتنا على الخطوط الفرنسيّة إلى باريس فنيويورك فمكسيكو، فلن يستقلّوا الحافلةَ قبل ساعةٍ من الآن. أخشى أن أبكيَ أمامَهم، أو أنهارَ، أو أفعلَ ما يثيرُ السخرية، فيصيرَ عليّ أن أقاسيَ النظراتِ والتعليقاتِ ستَّ عشرة ساعةً. لا داعي لأن يعرف أحدٌ شيئًا عن الأمر، وأنت تحبّذُ رأيي هذا، أليس كذلك؟ سوف يظلُّ في ذهني أنّ الأمرَ سرٌّ بيننا، وأنَّك لم تُقْدِمْ عليه بسبب… 

لا أعرفُ لماذا أفكّرُ في هذه الأمور. لا يحقُّ لي أن أبرِّر أيَّ شيءٍ باسمِكَ، وقد لا يحقُّ لي ذلك باسمي أنا أيضًا. كيف لي أن أتيقَّنَ من سببِ فعلتِكَ يا خوان لويس؟ وكيف لي أن أتطاولَ عليكَ أو على نفسي، فأقولَ – تأكيدًا أو نفيًا – إنّ الحزنَ أو الألمَ أو الحنينَ أو الأملَ قد كان ربّما هو دافعَكَ إلى فعلِ ما فعلتَ، في تلك اللحظة أو منذ زمنٍ بعيد — فأنا لا أعلم كيف قرّرتَ ذلك ومتى؛ ربّما منذ الطفولة، لِمَ لا؟

الجوّ بارد، ويَسوقُ ريحًا قارسةً تهبُّ من الجبال، فتمرّ كزفيرِ الموتِ فوق المدينة والبحيْرة. أغطّي نصفَ وجهي بياقةِ معطفي كي أحتفظَ بدفءِ جسمي، مع أنّ الحافلة حَمِيَتْ، وهي الآن تُقْلع على مهل، ملتفّةً ببخارها. نغادرُ محطّةَ كورنافان عبر أحدِ الأنفاق. أعلمُ أنّني لن أرى بعدَ الآن بحيْرةَ جنيف وجسورَها، لأنّ الحافلة تخرج من النفق إلى الطريق خلف المحطّة، ولا تنفكُّ تبتعد عن بحيْرة ليمان، قاصدةً المطارَ.

نَعْبرُ القسمَ القبيحَ من المدينة، حيث يعيش العمّالُ الموسميّون القادمون من إيطاليا وألمانيا وفرنسا إلى هذا الفردوس الذي لم تسقطْ عليه ولو قنبلةٌ واحدة، ولم يُعذَّبْ فيه أحدٌ أو يُقتلْ أو يُضَلَّلْ بالكذب. إنّ الحافلة، في حدِّ ذاتها، تمنحُ إحساسًا بالنظافة والترتيبِ والرفاه، وهو إحساسٌ لفتَ انتباهَكَ منذ أتيتَ إلى هنا. والآن، إذ أمسحُ النافذةَ المغبّشةَ بيدي وأرى هذه المنازلَ البائسة، فإنّي أعتقدُ أنّه لا يَلْزم – على الرغم من كلّ شيء – أن تكون حياةُ الناس هنا سيّئةً. إنّ سويسرا، في المحصّلة، تقوّينا وتواسينا أكثرَ ممّا ينبغي، على ما أخبرتَني في إحدى رسائلك؛ ففيها نفقد التطرّفَ في مشاعرنا، ذلك التطرّفَ الذي نعيشُه بشكلٍ واضحٍ ومؤلمٍ في بلادنا.

خوان لويس، في رسالتكَ الأخيرة، لم يكن ثمّة داعٍ لإخباري (فأنا أفهمُ ذلك من دون أن أعيشَه لكونه الرباطَ الذي كان يجمعُنا دومًا) بأنّ هذا الترتيبَ في المظهر الخارجيّ (دقّة مواعيد القطارات، والاستقامة في التعامل، والتخطيط في العمل، والادّخار مدى الحياة) يقتضي فوضى داخليّةً تقابلُه وتعوّضُه.

ها أنا أضحك، يا خوان لويس. خلف سحنةٍ تكابدُ كي تَحبسَ الدموعَ، أبدأُ بالضحك، وجميعُ المسافرين ينظرون إليّ ويتهامسون؛ هذا ما كنتُ أرغبُ في تفاديه. لحسن الحظّ أنّهم لن يرافقوني على الطائرة نفسٍها إلى مكسيكو. أضحكُ وأنا أفكّرُ كيف غادرتَ ترتيبَ بيتنا في مكسيكو إلى فوضى حرّيّتكَ في سويسرا. أتفهمُني؟ من الأمان في بلدِ الخناجر المدمّاة، إلى الفوضى في بلدِ الساعات الفاخرة! أخبِرْني، إنْ لم يكن ذلك مضحكًا. اعذرْني؛ فقد لا يُضحكُكَ ذلك. لكنّه أمرٌ مضى وانقضى.

أحاولُ أن أهدّئَ نفسي وأنا أرى قممَ جبال الجورا المكلَّلةَ بالثلج؛ هذه الجروف الصخريّة الرماديّة الهائلة التي تبحث الآن عبثًا عن صورتِها في مياه البحيْرة التي انبجستْ منها. مرَّةً، كتبتَ لي أنّ البحيْرة في الصيف هي مرآةُ جبال الألب: تعكسُ صورتَها، بَيْدَ أنَّها تحوَّلُها إلى كاتدرائيّةٍ فسيحةٍ غارقةٍ في الماء. وقلتَ إنّك عندما ترمي بنفسكَ فيه، تغوصُ باحثًا عن الجبال.

هل تدري أنّني أحملُ رسائلَكَ معي؟ قرأتُها في الطائرة التي أقلّتني من مكسيكو، وقرأتُها خلال الأيّام التي أمضيتُها في جنيف، في أوقاتِ الفراغ التي أتيحتْ لي. والآن سأقرأُها في رحلة العودة، وأنتَ هذه المرّة معي.

لقد سافرنا معًا مرّاتٍ كثيرةً، يا خوان لويس. كنّا، ونحن طفلان، نذهب في نهاية الأسبوع إلى كويرناباكا، إذ كان والداي ما يزالان يَمْلكان ذلك المنزلَ المغطَّى بالعرائش ذاتِ الأزهارِ الحمراء. هناك، علّمتَني السباحةَ وركوبَ الدرّاجة الهوائيّة. كنّا نذهب يومَ السبت، بعدَ الظهر، إلى القرية راكبيْن على الدرّاجة. وهناك، عرفتُ كلَّ شيء من خلال عينيْك: “انظري، كلاوديا، إلى الطيّارات الورقيّة؛ انظري، كلاوديا، إلى آلافِ الطيور على الأشجار؛ انظري، كلاوديا، إلى المحلّات والواجهات: أساورِ الفضّة، وقبَّعاتِ الفرسان، ومثلّجاتِ الليمون، والتماثيلِ الخضراء؛ تعالي، كلاوديا، وهيّا بنا إلى الأراجيح.”

وفي أعياد السنة الجديدة، كانوا يأخذوننا إلى أكابولكو، وكنتَ توقظُني باكرًا عند الفجر، فنَجْري على شاطئ هورنوس، لأنّكَ تعرفُ أنّ البحر في هذه الساعة يكونُ في أحسن أوقاتِه: فالأصدافُ والأَخْطبوط والأخشابُ السوداء المتآكلة والزجاجاتُ القديمة لا تظهر إلّا في ذلك الحين، بعد أن يقذفَ بها المدُّ إلى الشاطئ، فنجمعُ منها كلَّ ما نستطيعُه، مع أنّنا نعرف أنّه لن يُسمحَ لنا لاحقًا بأن نأخذَها معنا إلى مكسيكو؛ فالسيّارة لا تتّسع لهذه الكمّيّة من الأشياء العديمة الفائدة. والغريب أنّني كلّما أردتُ أن أتذكّرَ كيف كنتَ في العاشرة أو الثالثةَ عشرة أو الخامسةَ عشرة، لا تَخْطر في بالي على الفور غيرُ صور أكابولكو. ربَّما لأنّنا كنّا، خلال بقيّة العام، ننصرف إلى دروسنا، فلا نمضي كلَّ ساعاتِ النهار معًا إلّا على الشاطئ، وبالتحديد حين نحتفل بتوديع سنةٍ واستقبال سنةٍ أخرى. هناك، كنّا نمثّل بعضَ المشاهد: بين الجروفِ الصخريّة، حيث كنتُ أقعُ أسيرةً بين أيدي الغيلان، فتصعدُ صارخًا، وفي يدِكَ سيفٌ من خشب، تصارعُ الوحوشَ الموهومةَ لتخليصي؛ أو في سفينة القراصنة – وهي زورقٌ خشبيٌّ صغير – حيث كنتُ أنتظرُكَ مرعوبةً حتى تنتهي من عراككَ في الماء مع أسماك القرش التي تهدّدُني؛ أو في الغابة الكثيفة الملتفّةِ خلف شاطئ بيي دي لا كويستا، حيث كنّا نتقدّم، متشابكَي اليديْن، لنبحثَ عن الكنز المخبوء، المشارِ إليه في خريطةٍ عثرنا عليها داخل إحدى الزجاجات. وكنتَ تُرفقُ أفعالَكَ بخلفيّةٍ موسيقيّةٍ تبتكرُها في اللحظة، وتدندنها دندنةً، وكانت دراماتيكيّةً، ومتصاعدةً أبدًا. كابتن بلود أو ساندوكان أو إيفانهو: كان دورُكَ يتبدّل في كلّ مغامرة؛ أمّا أنا فكنتُ، على الدوام، الأميرةَ المهدَّدةَ التي لا اسمَ لها، المطابِقةَ لصورتها النمطيّةِ الغامضة.

ثم ابتعدتَ عنّي. لم يحدثْ ذلك إلّا عندما أتممتَ عامكَ الخامسَ عشر، وأنا لم أتجاوز الثانيةَ عشرة. وصرتَ تُحسُّ بالخجل من المشي معي. لم أستوعبِ الأمرَ لأنّي رأيتُكَ حينَها مثلما أراكَ دائمًا: نحيفًا، قويًّا، أسمرَ، بشعرٍ كستنائيٍّ مجعَّدٍ صبغتْهُ الشمسُ بالأحمر. لكنّنا عدنا والتقينا في العام التالي، ومشينا معًا من جديد، لا كي نلمَّ الأصدافَ ونبتكرَ المغامرات هذه المرّةَ، وإنَّما سعيًا إلى إطالة النهار الذي راح يبدو لنا شديدَ القِصَر، وتشوّقًا إلى شدِّ أطرافِ الليل الذي يمنعونه عنَّا، فيُغْوينا، ونراه مطابِقًا لآفاقِ الحياة الجديدة التي كنّا قد اكتشفناها منذ عهدٍ قريب.

صرنا نتمشّى على امتداد الجرف الصخريّ بعد العشاء، متشابكَي اليديْن، من دون أن نتكلّم، أو ننظرَ إلى المتحلّقين حول مواقد النار وهم يعزفون الغيتار، ومن دون أن نتطلّعَ إلى العشّاق وهم يتبادلون القُبلَ بين الصخور. لم نحتَجْ إلى القول إنّ الآخرين مثيرون للشفقة، لأنّنا لم نحتجْ إلى القول إنّ أجملَ ما في الكون هو أن نمشيَ معًا في الليل، متشابكَي اليديْن، من دون أن ننبسَ ببنتِ شفة، نتواصل في صمتٍ بتلك الشيفرة والألغاز التي لم تكن بيني وبينَكَ يومًا سببًا للاستهزاء أو التبجّح. كنّا جادّيْن من دون تكبّر، أليس كذلك؟ وربّما ساعد واحدُنا الآخرَ من دون علمٍ منه، بطريقةٍ لم أتمكّنْ قطُّ من شرحها شرحًا وافيًا، لكنّها مرتبطةٌ بسخونة الرمل تحت أقدامِنا الحافية، وبسكونِ البحر في الليل، وباحتكاكِ وركيْنا أثناء المسير، وببنطلونِكَ الجديدِ الأبيضِ الطويلِ الضيّق، وبتنّورتي الجديدةِ الحمراءِ الواسعة. ولقد كبرنا واستبدلْنا كلَّ ما لدينا من ملابس في الخزانة، فنجوْنا من استهزاء أصدقائنا وفظاظتِهم. أنتَ تعرفُ، يا خوان لويس، أنّ الذين غادروا الرابعةَ عشرة — تلك الأعوامَ التي لم تكن ملْكنا — قلائل. الذكوريّةُ هي أن يبقى المرءُ في هذه السنّ طولَ الحياة؛ هذا أمرٌ مخيفٌ فعلًا. تعرفُ ذلك تمامًا لأنّكَ لم تستطعْ تفاديَه أنتَ أيضًا. وفي المقابل، اخترتَ الابتعادَ عنّي، بمقدارابتعادِنا عن طفولتنا، وانغماسِكَ في التجارب التي ينغمس فيها أترابُك. لذلك فهمتُ ما فعلتَه بعد سنواتٍ من انقطاعِكَ شبهِ التامّ عن الكلامِ معي (لكنّي كنتُ أتلصّصُ عليك من النافذة، فأراكَ تخرج بالسيّارة المكشوفةِ المليئةِ بالأصدقاء، ثم تعودُ في ساعةٍ متأخّرةٍ وأنت سكران)، يومَ دخلتُ كلّيّةَ الفلسفة والآداب، ودخلتَ أنتَ كلّيّةَ الاقتصاد: يومَها أتيتَ إلى الجامعة، لا إلى المنزل كما كان يُفترضُ، وأخذتَني من مبنى الماسكارونِس، ودعوتَني بعد الظهر إلى تناول القهوة في ذلك القبو الحارّ المليءِ بالطلّاب، وداعبتَ يدي قائلًا:

– سامحيني يا كلاوديا.

ابتسمتُ، وقلتُ في نفسي ها هي لحظاتُ طفولتنا تعود إلينا بأكملها دفعةً واحدة؛ لكنّها لا تعودُ كي تدومَ، بل كي تبلغَ نهايتَها، فنودِّعها باحتفالٍ فريدٍ يليقُ بها ويبدّدُها في الوقت نفسه إلى الأبد.

– عمَّ أسامحُكَ؟ أجبتُ. يسرُّني أنّنا عدنا إلى الحديث. لا حاجةَ إلى المزيد. لقد كنّا نتقابلُ كلَّ يوم، لكنّ أحدَنا كان أشبهَ بالغائب. أمّا الآن، فيسرُّني أن نعودَ صديقيْن كما كنّا.

– نحن أكثر من صديقيْن يا كلاوديا. نحن أخَوان.

– أجل، ولكنّ هذا أمرٌ لم تكن لنا فيه يدٌ ولا حيلة. تأمّلْ أنّنا تحاببْنا في طفولتنا كثيرًا لكوننا أخويْن، ثم لم نعدْ نتحادث بعد أن كبرنا!

– سأسافر إلى الخارج يا كلاوديا. لقد أخبرتُ والدي بذلك، وهو غيرُ موافق، ويعتقد أنّ عليّ إنهاءَ دراستي أوّلًا. لكنّي أحتاج إلى السفر.

– إلى أين ستسافر؟

– لقد حصلتُ على عملٍ في الأمم المتّحدة في جنيف. هناك، أستطيع أن أكملَ دراستي أيضًا.

– حسنٌ ما تفعلُ يا خوان لويس.

 لم تُخبِرْني إلّا بما كنتُ أعرفُه. قلتَ لي إنّكَ لم تعد تتحمّلُ الذهابَ إلى المواخير، ولا التعليمَ الجامدَ والحفظَ عن ظهرِ قلب، ولا اضطرارَكَ إلى أن تكونَ ذكوريًّا، ولا حبَّ الوطن، ولا أن تنافقَ في كلامكَ، ولا انعدامَ الأفلام السينمائيّة الجيّدة، ولا غيابَ النساء الحقيقيّات اللواتي يكنّ من جيلكَ ويرغبن في العيش معكَ. كان كلامًا طويلًا قلتَه بصوتٍ خفيضٍ على تلك الطاولة في مقهى الماسكارونِس.

– الحياة هنا لا تطاق. أقولُ هذا وأنا أعني ما أقول. لا أريد أن أكونَ خادمًا لأحد، أريد الخلاصَ من كلّ قيد؛ وهذا لا يمكن تحقيقُه هنا يا كلاوديا. وإذا كنتِ ترغبين في مجرّد العيش، فالخيانةُ طريقُكِ؛ هنا يُرغمونكِ على الخضوع، يُرغمونكِ على الانحياز إلى هذا أو ذاك. إنّه بلدٌ لا حريّةَ فيه للمرء أن يكونَ ذاتَه. لا أريدُ أن أكونَ شخصًا مطيعًا. لا أريدُ أن أكون مجاملًا، كاذبًا، ولا أن أغرقَ في الذكوريّة، ولا أن أكون متملّقًا ومتلوّنًا ومحتالًا. لا يوجد بلدٌ يشبه المكسيك… لحسن الحظّ. لا أريدُ أن أظلَّ على هذه الحال، أطارد النساءَ من ماخورٍ إلى ماخور، ثم أجد نفسي مضطرًّا، مدى الحياة، إلى معاملة النساء بتودّدٍ فوقيٍّ زائدٍ لأنّني لم أتمكّنْ قطُّ من فهمهنّ. لا أريد كلَّ هذا.

– وأمُّكَ، ماذا تقول؟

– سوف تبكي. لكنْ لا يهمّ؛ فهي تبكي على كلّ شيء، أليس كذلك؟

– وأنا يا خوان لويس؟

ابتسمَ ابتسامةَ الأطفال:

– ستأتينَ لزيارتي يا كلاوديا. أَقْسِمي أنّكِ ستأتين!

لم آتِ لزيارتِكَ وحسب، بل أتيتُ كي آخذَكَ وأعيدَكَ إلى المكسيك أيضًا. ومنذ أربع سنوات، حين تودَّعنا، اكتفيتُ بأن قلتُ لكَ:

– تَذكَّرْني كثيرًا. وابحثْ عن الطريقة التي تكون فيها إلى جانبي دائمًا.

أجل، لقد كتبتَ لي ترجو منّي أن آتيَ لزيارتكَ؛ رسائلُكَ معي. وجدتَ غرفةً مزوَّدةً بحمّامٍ ومطبخ، في أجمل مكانٍ في جنيف: ساحة البورديفور. والغرفة في الطابق الرابع، في قلب المدينةِ القديمة، حيث تستطيع أن ترى الأسطحَ المائلة، وأبراجَ الكنائس، والنوافذَ، ومناورَ السقوف، ومن ورائها البحيْرةَ وهي تغيب عن النظر، فتمتدُّ وتبلغُ مناطقَ فيفي ومونترو وشيّون. كانت رسائلُكَ مليئةً ببهجتكَ في الاستقلاليّة، إذ صار عليكَ أن تسوّيَ سريرَكَ بنفسكَ وأن تكْنسَ وأن تُحضِّرَ فطورَك وأن تشتري طعامَكَ من محلّ بيع الأجبان القريب. وقلتَ إنّكَ ترتاد المقهى الواقعَ في الساحة.

لقد تحدّثتَ كثيرًا عن هذا المقهى. اسمُه مقهى لاكليمانس، وله مظلّةٌ مخطَّطةٌ بالأخضر والأبيض، وفيه يلتقي جميعُ الناس الذين يمكن أن يعاشرَهم المرءُ في جنيف. والمقهى ضيّق جدًّا، وليس فيه غيرُ ستّ طاولاتٍ قبالة بارٍ، حيث النادلاتُ يقدّمنَ إلى الزبائن كؤوس العنبريَّ، وهنَّ بلباسٍ أسود، ويتوجّهنَ إلى كلٍّ منهم قائلات: “مِسيو – دامْ.” أمسِ، جلستُ في هذا المقهى كي أحتسي القهوة، وأخذتُ أنظر إلى كلّ هؤلاء الطلّاب وهم بالشالات الطويلة وقبَّعاتِ الرياضيّين، وكذلك إلى الفتيات الهندوسيّات وهنّ بأثواب الساري التي اهترأتْ تحت المعاطف الشتويّة، وإلى الدبلوماسيّين وعلى ياقاتهم الوردُ، وإلى الممثّلين المتهرّبين من الضرائب والملتجئين إلى شاليهاتِهم على ضفاف البحيْرة، وإلى الشبّان الألمان والتشيليّين والبلجيكيّين والتونسيّين العاملين في منظّمة العمل الدوليّة. كتبتَ لي مرّةً أنّ جنيف مدينتان: المدينة التقليديّة المنظّمة التي وصفها ستاندال بالزهرة العديمةِ الرائحة، ويسكنها السويسريّون؛ هذه المدينةُ ستارةٌ تحجب مدينةً أخرى، هي مدينةُ العبور والمنفى، مدينةٌ أجنبيّةٌ تجري فيها اللقاءاتُ العابرة والنظراتُ والمحادثاتُ الفوريّة، من دون الخضوع للقواعد التي يتّبعها السويسريّون ويُعْفون الآخرين منها.

كان عمرُكَ ثلاثًا وعشرين سنةً عندما أتيتَ إلى هنا، وأنا أتخيّل حماسَك آنذاك. كتبتَ لي: “دعينا من كلّ ذلك. عليّ أن أخبرَكِ بأنّني أتبع دروسًا في الأدب الفرنسيّ، وخلالها تعرّفتُ إلى… لا أستطيع يا كلاوديا أن أشرحَ لكِ ما أحسُّ، ولا أحاولُ أصلًا أن أفعلَ ذلك، لأنّكِ دائمًا كنتِ تفهمينني من دون الحاجة إلى الكلمات. اسمُها إيرين، ولا يمكنكِ أن تتصوّري شدّةَ جمالها وذكائها ولطفِها. تدْرس الآدابَ في الجامعة هنا، وهي فرنسيّة. ما أغربَ الأمر: إنّها تدرس اختصاصَكِ نفسَه. ربَّما لهذا أعجبتْني في الحال. هاها.”

أعتقد أنّ الأمر دام شهرًا. لا أذكر جيّدًا. كان ذلك منذ أربع سنوات. [وعدتَ فكتبتَ إليّ]: “ماري-جوزيه ثرثارة، لكنّها تسلّيني. ذهبنا في عطلة نهاية الأسبوع للتزلّج في دافوس. سخرتْ منّي كثيرًا: فهي متزلّجةٌ بارعة، أمّا أنا فلم أفلحْ في الوقوف على قدميّ ولو مرّةً واحدة. يُقال إنّه يجب تعلّمُ التزلّج في الصِّغَر. أعترفُ لكِ بأنّني شعرتُ بالضِّيق، وعدنا إلى جنيف يومَ الإثنين، كما غادرناها يومَ الجمعة، من دون أن أظفرَ إلّا بكاحلٍ ملتوٍ. ألا يضحككِ ذلك؟”

ثم أتى الربيعُ بعد ذلك، [فكتبتَ]: “دوريس إنكليزيّة، وتكرِّس وقتَها لفنّ الرسم. يبدو لي أنّها تتمتّع بموهبةٍ حقيقيّة. استثمرنا عطلةَ عيد الفصح وذهبنا إلى فِنْغِن. تقولُ إنّها تمارس الحبَّ كي تحفِّزَ عقلَها الباطنَ على الاشتغال، ثم تقفزُ من السرير كي ترسمَ بألوانها المائيّةِ قمّةَ اليونغفراو البيضاء، الباديةَ أمامها. تفتحُ النافذةَ، وتأخذُ نفسًا عميقًا، ثم تبدأ بالرسم وهي عارية، وأنا أرتجفُ من البرد. تضحكُ كثيرا وتقولُ إنّني كائنٌ استوائيٌّ متخلّف، ويلزمني عنبريُّ الكرز كي يدفِّئَني.”

أضحَكَتْني دوريس خلال العام الذي كنتُما تلتقيان فيه. [وأكملتَ:] “أشتاقُ إلى مرحِها، لكنّها قرّرتْ أنّ عامًا واحدًا كان كافيًا في سويسرا، فذهبتْ حاملةً صناديقَها ومرْسمَها كي تعيشَ في جزيرة ميكونوس. كان ذلك حسنًا. لقد استمتعتُ مع دوريس، لكنّها ليست المرأةَ التي تثيرُ اهتمامي فعلًا.”

ذهبتْ إحداهنّ إلى اليونان، وها ستأتي أخرى الآن من اليونان: “صوفيا أجملُ امرأةٍ عرفتُها، أقسمُ لكِ. أعرفُ أنّه تشبيهٌ مبتذَل، لكنّها حقًّا تبدو مثلَ تماثيل النساء الإغريقيّات. وليس بالمعنى المتعارف عليه. إنّها فعلًا تمثال، لأنّه يمكنكِ أن تتأمّليها من الجوانب كلِّها: أطلبُ إليها أن تدورَ حول نفسها وهي عاريةٌ في الغرفة. لكنّ أهمَّ ما فيها هو الهواءُ الذي يلفُّها، والفراغُ حول قِوامها. أتدركين ما أعني؟ الفضاء الذي تَشْغلُه ويتيح لها أن تكون جميلةً. هي داكنةُ البشرة، ولها حاجبان كثيفان جدًّا. وغدًا، يا كلاوديا، ستذهبُ مع شخصٍ واسعِ الثراء إلى الكوت دازور. حزينٌ أنا، لكنّني راضٍ. أخوك الذي يحبُّكِ، خوان لويس.”

ثم أتت كريستين، وكونسويلو، وسونالي، وماري-فرانس، وإنغريد… وشيئًا فشيئًا صارت رسائلُكَ أقصر، وليس فيها ما يثير الاهتمام. وبدأتَ تنهمُّ بالعمل، وتنشغل بالحديث الزائد عن زملائكَ، وعن عاداتهم المميّزة، كلٌّ حسب بلدِه، وعن علاقاتهم بكَ، وعن جداولِ أعمال المؤتمرات، وعن الرواتبِ والأسفار، بل عن معاشاتِ التقاعد أيضًا. لم تشأ أن تخبرَني أنّ ذلك المكانَ، كالأمكنة كلّها، يَفرض على ساكنيه في نهاية المطاف رتابتَه المملّةَ. ولم تشأ أن تخبرَني أنّكَ تهوي إلى الرَّتابة التي يهوي إليها أيُّ موظّفٍ من موظَّفي المنظّمات الدوليّة.

إلى أن وصلتْ منكَ بطاقةٌ بريديّةٌ تصوِّرُ المشهدَ البانوراميّ الجميل لمونترو. وفيها تروي بخطّكَ، ذي الحروفِ المتراصَّة، تفاصيلَ العشاء في مطعمٍ فاخر، وتتأسّفُ على غيابي. ثم يُرى توقيعان: خربشتكَ أنتَ، واسمٌ آخرُ غيرُ واضح، لكنه يتكرَّرُ أسفلَ البطاقة، وهو مكتوبٌ بعنايةٍ وحروفٍ كبيرة: كلير.

أجل، لقد أعلمتَني بالأمر تدريجيًّا، خطوةً خطوةً. لم تقدِّمْ إليّ كلير كما قدّمتَ الأخريات. في البداية حدّثتَني عن عملٍ جديدٍ يكلّفونكَ به. ثم ارتبطَ هذا العملُ بجلسةٍ لاحقةٍ في أحد المؤتمرات. وبعدها صار يعجبكَ التعاونُ مع زملاءَ جددٍ لكنّكَ تشعر بالحنين إلى القدامى. ثم صار الأصعبُ أن تعتادَ موظّفين إداريّين لا يعرفون عاداتِكَ. وأخيرًا حالفكَ الحظُّ بأن عملتَ مع موظّفٍ “ملائمٍ” سمّيتَه في الرسالة اللاحقة: كلير. وقبل ثلاثة أشهر أرسلتَ إليّ البطاقةَ البريديّةَ من مونترو، وليس فيها غير: كلير، كلير، كلير.

أجبتُكَ: “ألن تكونَ صريحًا معي يا صديقي العزيز؟ منذ متى كلير هذه؟” أردتُ أن أعرفَ كلَّ شيءٍ منكَ. وطالبتُكَ بأن تشرحَ لي كلَّ شيءٍ عنها. ألم نكن أعزَّ صديقيْن قبل أن نكونَ إخويْن، يا خوان لويس؟

توقّفتَ عن مراسلتي طوال شهريْن. ثم وصلني منكَ مغلّفٌ فيه صورة: أنتَ وهي، وخلفَكما النافورةُ الصاعدةُ إلى السماء، والبحيْرةُ في جوٍّ صيفيّ؛ كنتما تتّكئان على حافّة الشرفة، ذراعُكَ تلفّ خصرَها، وهي تتألّق ببهاءٍ، وذراعُها على الحوض المليء بالزهور. لكنّ الصورة لم تكن صافيةً، وكان يَصْعب الحكمُ على وجه كلير. نحيفةٌ وباسمةٌ، أجل، من صنف مارينا فلادي وهي أنحف، لكنّها بالشعر الناعم الطويل الأشقر نفسِه، وتنتعل حذاءً واطئ الكعب، وترتدي كنزةً بلا كمّيْن، مقوّرةً عند الصدر.

سوَّغتَ الأمرَ من دون أن تحدّثَني عن شخصيّتها. أوّلًا البطاقات البريديّة، وفيها تروي الوقائع. كلير تعيش في نزلٍ يقع في شارع إيميل يونغ. والدُها مهندس، أرمل، يعمل في نوشاتيل. أنتَ وكلير تذهبان إلى ضفّة البحيرة وتسبحان. تشربان الشايَ في مقهى لاكليمانس. تشاهدان أفلامًا فرنسيّةً قديمةً في دار السينما الواقعة في شارع مولار. تتناولان العشاءَ مساءَ السبت في مطعم بلا دارجان، وكلٌّ منكما يدفع فاتورتَه على حِدة. خلال الأسبوع تتناولان الطعامَ في كافتيريا قصر الأمم المتحدة. أحيانًا تستقلّان الترامَ وتَعْبران إلى فرنسا. وقائع وأسماء، أسماء، أسماء كما في الدليل السياحيّ: كي دي بيرج، غران رو، كاف آ بوب، غار دي كورنافان، أوبيرج دي لا مير رويوم، شامبيل، بولفار دي باستيون.

بعد ذلك، أحاديثُ مختلفة: ذوْقُ كلير في بعض الأفلام والكتب والأمسيات الموسيقيّة، ثم المزيد من الأسماء، بل سيْلٌ من العناوين والأسماء في رسائلك (مأساة غريبة، أطفال الفردوس، سكوت فيتزجيرالد، ريمون راديغيه، شومان، برامس). ثم كلير تقول إنّ شخصيّات مارسيل كارنيه تعيش الحريّةَ كأنّها مؤامرةٌ مخجلة. وكلير ترتئي أنّ فيتزجيرالد ابتكر الأذواقَ والعاداتِ والخيباتِ التي لا نزال نعيشُ عليها. وكلير تعتقد بداهةً أنّ رِكْويِم موتسارت الألمانيّ يحتفل بجميع الموتى من البشر. وأنا أجبتُكَ على أحاديثكَ كما يجبُ: خوسيه كليمنتي أوروسكو** مات للتوّ، وفي كلّيّة الفنون الجميلة معرضٌ استعاديٌّ ضخم لأعمال دييغو ريفيرا.*** لقد رويتَ لي المزيدَ والمزيدَ من القصص، وجميعُها نَسَخْتَها نسْخًا وبالتفصيل كما طلبتُ إليكَ.

كلّما استمعتُ إلى ركويم موتسارت، قلتُ في نفسي: ها نحن كأنّنا ندرك ضرورةَ إعادة الاعتبار إلى كلّ ما جرَت إدانتُه حتى الآن؛ خوان لويس، لا بدّ لنا من إعادة النظر في كلِّ ما جرى. مَن شوَّهَنا، يا حبيبي؟ ليس أمامنا إلّا القليلُ من الوقت كي نسترجعَ كلَّ ما سُرِق منا. وأنا هنا لا أقترحُ عليك أيَّ شيء، لا، أبدًا، أوَترى عكسَ ذلك؟ دعْنا من الخطط والأحلام. فأنا أعتقدُ بما يعتقدُه راديغيه: “أنّ المناورات اللاواعية للنفس النقيَّة أكثرُ فرادةً وإدهاشًا من ألاعيب الشرّ.”

ماذا كان بوسعي أن أجيبَكَ؟ فهنا الأمور على حالها، يا خوان لويس. أبي وأمي حزينان لأنّكَ لستَ معنا في يوبيل زواجهما الفضّيّ. أبي ترقّى في عمله وأصبح نائبًا لمدير شركة التأمين، وهو يقول إنّ ذلك أجملُ هديّةٍ له في عيد ميلاده. أمّي المسكينة كلَّ يوم يكتشف الأطبّاءُ في جسمها المزيدَ من الأمراض. ومؤخّرًا بدأت القناةُ التلفزيونيّةُ الأولى بالبثّ. أمّا أنا فأحضِّر لامتحانات السنة الثالثة. أحلمُ قليلًا بكلِّ ما تعيشُه أنتَ، وأتوهّم أنّني أعثرُ عليه في كتبي. أمس، رويتُ لفيديريكو كلَّ ما تفعله وتراه وتقرأه وتسمعُه، وخطر في بالنا عندما كنّا معًا أنّنا قد نستطيع الذهابَ لزيارتِك. ألا تفكّر في العودة يومًا؟ تُمْكنك الاستفادةُ من إجازتكَ القادمة كي نراكَ، أليس كذلك؟

لقد كتبتَ أنّ الخريف مميَّز إلى جانب كلير. تخرجان معًا للتنزّه كثيرًا أيّام الآحاد، متشابكَي اليديْن، من دون أن تنبسا ببنت شفة. في أجواء الحدائق تعْلق آثارُ رائحةِ الزنابق المتعفّنة، لكنّ رائحةَ الأوراق اليابسة تتبعُكما الآن أثناء هذه المشاوير الطويلة التي تذكِّركَ بمشاويرنا على الشاطئ منذ سنوات، لأنّكما لا تجرُؤان – لا أنتَ ولا كلير – على كسر الصمت، مهما خطر في بالكما من أمور، ومهما أغراكما هذا اللغزُ المحيطُ بكما، لغزُ الفصول الحائرةِ بضفافها، والمرتبكةِ باحتكاكِ ياسمينها بأوراقِها اليابسة. وفي الختام ، لا يبقى سوى الصمت. “كلير، كلير (كتبتَ لي)، لقد فهمتِ كلَّ شيء يا كلير. لدي ماضيَّ الذي مضى، والآن أستطيعُ أن أتجاوزَه. الآن عدتُ كي أجدَكِ يا كلير.”

قلتُ مرّةً أخرى، في رسالتي التالية إليكَ، إنّنا، أنا وفيديريكو، نحضِّر للامتحان، وإنّنا سوف نقضي عطلةَ نهاية العام في أكابولكو. لكنّي شطبتُ ذلك من الرسالة قبل أن أرسلَها إليكَ. ففي رسالتِكَ لم تسألْني مَن هو فيديريكو (ولو سألتَني اليومَ عنه، لما عرفتُ كيف أجيب). عندما حان موعدُ العطلة، لم أعد أردُّ على اتصالاته الهاتفيّة، فأنا لن أراه بعد الآن في المدرسة؛ وهكذا ذهبتُ وحيدةً مع والديَّ إلى أكابولكو. لم أروِ لكَ أيَّ شيء عن ذلك. توقّفتُ عن الكتابة إليكَ بضعةَ أشهر، لكنّ رسائلَكَ ظلّت تصلني. في ذلك الشتاء، أتت كلير كي تعيشَ معكَ في غرفة بورديفور. لماذا أُتعبُ نفسي وأتذكّر الرسائل التالية؟ إنّها هنا في الحقيبة:

“كلير، كلُّ شيء معكِ جديد. لم نجتمعْ قطُّ في الفجر. من قبل، لم تكن ساعاتُه تُحتسبُ من اليوم، بل كانت جزءًا ميتًا منه. أمّا الآن فهي ساعاتي الثمينةُ التي لا أبدّلُها بشيء. لقد عشنا دائمًا متّحديْن معًا، في مشاويرنا، وفي السينما، وفي المطاعم، وعلى الشاطئ، نفتعلُ المغامرات، لكنّنا كنّا نعيش دومًا في مسكنيْن مختلفيْن. هل تعرفين ما كنتُ أفعلُه في وحدتي وأنا أفكّرُ فيكِ؟ الآن لا تضيعُ منّي هذه الساعاتُ. أمضي الليلَ بطوله خلفَكِ، وظهرُكِ ملتصقٌ بصدري، وأنا ألفُّ خصرَكِ بذراعي وأنتظرُ طلوعَ الفجر. تدركين ما أفعل، فتلتفتين نحوي وتبتسمين لي وعيناكِ مغمضتان. وإذ أزيحُ الشرشفَ يا كلير، أنسى الزوايا التي دفّأتِها طولَ الليل، وأسألُكِ إنْ لم يكن ذلك ما رغبْنا فيه دائمًا، منذ البداية، عندما كنّا نلهو ونمشي بصمتٍ، متشابكَي اليديْن. كان لا بدّ من أن نجتمعَ وننامَ معًا تحت السقف نفسِه، في بيتنا المشترك، أليس كذلك؟ لماذا لا تكتبين إليَّ يا كلاوديا؟ المحبّ، خوان لويس.”

ربّما تتذكّر مزاحي. فأن تلتقيا وتتطارحا الغرامَ على الشاطئ، أو في فندقٍ محاطٍ بالبحيْرات والثلوج، فذلك ليس كأنْ تعيشا معًا كلَّ يوم. وفوق ذلك، أنتما تعملان في المكتب نفسه. سوف تصابان بالملل في نهاية المطاف، وستتبدّد الطرافةُ بينكما. وأن تستيقظا من النوم معًا، فليس هذا بالأمر المحبَّب فعلًا: إذ سوف تراكَ كيف تنظّفُ أسنانَكَ، وسوف تراها وهي تزيل الماكياج وتمسحُ وجهَها بالكريمات ثم تسوّي ملابسَها الداخليّة. أعتقد أنّكَ لم تُحسن التصرُّفَ يا خوان لويس. ألم تذهبْ إلى سويسرا بحثا عن استقلاليّتك؟ لِمَ حمَّلتَ نفسَكَ هذا العِبْءَ؟ في مثل هذه الحالة، كان من الأفضل لكَ أن تبقى في مكسيكو. لكنْ يَصْعب، على ما يبدو، الإفلاتُ من الأطر التي رُبِّينا عليها. فأنتَ أساسًا، على الرغم من عدم تقيّدك بالأطر المعهودة، تفعلُ ما توقّعَه منكَ دائمًا أبوكَ وأمُّك، وأصبحتَ رجلًا منظَّمًا. لذا، فإنّ دوريس وصوفيا وماري-جوزيه لم يكنَّ غيرَ تسلية. يا لَلْأسف!

لم نعدْ نتراسل خلال عامٍ ونصفِ العام. لم يتغيّرْ في حياتي أيُّ شيء. ودروسي الجامعيّة صارت عديمةَ النفع ومملّةً بتكرارها. كيف يمكنهم أن يعلّموكَ الآداب؟ ما إنْ تعلّمتُ بعضَ الأشياء، حتى أدركتُ أنّ عليّ أن أحلّقَ وحيدةً، فأقرأَ وأكتبَ وأدرسَ بالاعتماد على نفسي، ولم أواظبْ على حضورِ الدروسِ إلّا من بابِ التقيّدِ بالنظام لأنّني أردتُ أن أنهيَ ما كنتُ قد بدأتُ به. والأمر يغدو حماقةً وحذلقةً، حتى إنّهم يظلّون يشرحون للطالب ما يعرفه أصلًا بالاعتماد على المخطّطات والجداولِ التوضيحيّة. ليس هناك أسوأ من أن يتقدّمَ الطالبُ على مدرِّسيه؛ وهم يعرفون ذلك، لكنّهم يُخْفونه كيلا يخسروا مناصبَهم وعملَهم. كنّا على وشك البدء بدراسة الرومانسيّة، وأنا كنتُ أقرأ مؤلَّفات فيربانك ورولف، بل اكتشفتُ أيضًا رواياتِ وليام غولدينغ. كنتُ أخاف بعضَ الشيء من الأساتذة، وكان عزائي الوحيدُ في تلك الفترة هو المديحَ الذي أسمعُه في الكلّيّة: “كلاوديا أملُنا في المستقبل.” انكفأتُ على نفسي في غرفتي أكثرَ فأكثر، فرتّبتُها وفقًا لذوقي، ورتّبتُ كتبي، وعلّقتُ على الحائط لوحاتي المفضّلة، وثَبَّتُّ مشغِّلَ الأسطوانات في مكانه، وأصيبت أمّي بالملل وهي تطلب إليَّ أن أتعرَّفَ إلى الشبّان وأن أخرجَ للرقص. لم يزعجوني أكثر من ذلك، بل تركوني وشأني. استبدلتُ بعضَ ملابسي القديمة، فانتقلتُ من الثياب الملوَّنة التي تعرفُها إلى البلوزة البيضاء والتنّورة الغامقة، وإلى البذلة الرسميّة، وإلى كلّ ما يُشْعرني أكثرَ بالجدّيّة والصرامةِ والبعدِ عن الآخرين.

يبدو أنّنا وصلنا إلى المطار. أرى شاشاتِ مواعيد الطائرات تتحرّك. أتوقّفُ عن الحديث معكَ. هذه اللحظة سوف تكون لحظةً صعبة. يتحرّك المسافرون ويُحْدثون ضجيجًا. أتناول حقيبةَ يدي ومحفظةَ المكياج ومعطفي. أظلُّ جالسةً في مقعدي بانتظار نزولِ الآخرين. يقول لي السائقُ بعد قليل:

– ها قد وصلنا يا مَدْموزيل. الطائرة ستُقْلع بعد نصف ساعة.

لا، هذه طائرةٌ أخرى، ذاهبةٌ إلى ميلانو. أسوّي قبّعةَ الفرو على رأسي وأنزل من الحافلة. الجو بارد ورطب، والضباب يحجب الجبال. السماءُ لا تمطر، لكنّ الهواءَ مُحمَّلٌ بملايين القطرات المتناثرة التي لا تُرى: أُحسُّ بها على شعري. أداعبُ شعري الأشقرَ المسترسل. أدخلُ إلى المبنى وأتوجّهُ إلى مكتب الشركة. أقولُ اسمي، فيومئ الموظّفُ برأسه وهو صامت. يطلبُ إليَّ أن أتبعَه. نسير في ممرٍّ طويلٍ حسنِ الإنارة، ثم نخرجُ إلى المساء البارد. نَعْبرُ مسافةً طويلةً من الرصيف حتى نبْلغَ ما يُشْبه الهنغار. أمشي وكفّاي مقبوضتان. لا يجرِّب الموظّفُ أن يتحدّثَ معي. يتقدّمُني، وهو على شيءٍ من التكلّف. ندخلُ المستودعَ. أشتمَّ رائحةَ الخشب الرطب والقشّ والقطران. أرى صناديقَ خشبيّةً كثيرةً مرتّبةً ترتيبًا، وزجاجاتٍ فيها رمادُ بعض الموتى، بل أرى كلبًا صغيرًا ينبح في قفصه. صندوقُكَ متوارٍ قليلًا. يشير الموظّفُ إليه وهو ينحني باحترام. أضع يدي على حافّة التابوت وأغرقُ في الصمت عدّة دقائق. ينحبسُ البكاءُ في أعماقي، لكنّني أحسُّ كأنّني أبكي. الموظّف ينتظر، وعندما يُحسُّ أنّ اللحظة مناسِبةٌ، يَعْرض عليَّ الوثائقَ والمعاملات التي كنتُ أتابعُها في الأيّام الأخيرةِ المنصرمة. موافقاتٌ وتصاريحُ من الشرطة، ومن الجهاتِ الصحّيّة، ومن القنصليّةِ المكسيكيّة، ومن شركةِ الطيران. يطلبُ إليَّ أن أوقِّعَ، طبقًا للأصول، وثيقةَ الشحن النهائيّة. أوقّعُ، فيلعقُ بلسانه قفا بعض اللصاقات المصمَّغة، ويلصقها على شقّ غطاء التابوت. يختمه بإحكام. أضع يدي مرّةً أخرى على الغطاء الرماديّ للتابوت، ثم نغادر الهنغارَ ونعود إلى المبنى المركزيّ. يتمتمُ الموظّفُ بعبارات العزاء، ثم يودّعني وينصرف.

بعد أن أُنهي تصديقَ الوثائق من شركة الطيران والسلطاتِ السويسريّة المختصّة، أصعدُ إلى المطعم، وبطاقةُ ركوب الطائرة في يدي، فأجلسُ وأطلبُ فنجانًا من القهوة. من مكاني، قرب النافذة الكبيرة، أشاهد الطائراتِ تظهر على المدرّج وتختفي منه. تصعدُ وتضيعُ في الضباب، أو تنزلُ منه وتحطّ على الأرض، لكنّ ضجيج المحرّكات يظلّ خلفها أو يسبقها، كالثّلم يَمْخرُ عبابَ الهواء. أخاف من الطائرات. أجل، أنتَ تعرف أنّها تثير فيّ خوفًا رهيبًا، ولا أريد أن أفكّر كيف ستكون رحلةُ العودة هذه، في عزِّ الشتاء، وأنا أُبرزُ في كلّ المطارات الوثائقَ التي تحملُ اسمَكَ كي تتمكّنَ من المرور. يأتوني بالقهوة، فأشربُها من دون سكّر، فتبعثُ فيَّ الارتياحَ. لا ترتجف يدي وأنا أتناولها.

منذ تسعة أسابيع، سقط فنجانُ القهوة من يدي على السجّادة وأنا أفضُّ رسالتَكَ الأولى بعد انقطاعٍ دام 18 شهرًا. أسرعتُ وجلستُ على ركبتيّ، فنظّفتُها بتنّورتي، ثم أدرتُ إحدى الأسطوانات الموسيقيّة، وجُلْتُ في الغرفة مكتوفةَ اليديْن وأنا أنظرُ إلى الكتب على الرفّ؛ حتى إنّني تناولتُ أحدَها وقرأتُ بعضَ الأبيات منها على مهل وأنا أداعبُ الغلافَ، واثقةً من نفسي، بعيدةً عن رسالتكَ المجهولة، المخبّأةِ في المغلّف المفتوح الذي يرقدُ على ذراع الأريكة:

يا هداياها الحلوة، أنتِ الآن أمام عينيَّ بكاءُ،

أمسِ، كنتِ حلوةً ومُبهِجةً لمّا كان الله يشاءُ،

يا هداياها، أنتِ في ذاكرتي أبدا،

ويومَ أموتُ، أنتِ فيها تعويذةٌ وغناء.

كتبتَ إليَّ:

“بالطبع تشاجرْنا. أتذكَّر الآن كيف تخرجُ من المنزل وهي تُطبق البابَ بعنفٍ وأنا أكادُ أبكي من الغضب. أحاول أن أنشغلَ عنها، لكنّي لا أستطيع، فأخرجُ كي أبحثَ عنها. أعرفُ أين هي، قبالةَ البيت، في مقهى الكليمانس، تشرب وتدخِّن بعصبيّةٍ وتوتّر. أهبطُ الدرجَ وخشبُه يَصرُّ تحت قدميّ، ثم أخرجُ إلى الساحة، فتنظرُ إليّ من بعيدٍ وتتظاهر بأنّها لا تراني. أعْبرُ الحديقة وأصعدُ إلى أعلى مكانٍ في ساحة بورديفور، على مهل، وأنا أمرّرُ أصابعي على الدرابزين المعدنيّ. أصلُ إلى المقهى، وأجلسُ إلى جانبها على أحد الكراسي المصنوعة من الخيزران. ها نحنُ جالسان في الهواء الطّلْق؛ في الصيفِ يتمدّدُ المقهى، ويغزو الأرصفةَ بطاولاتِه، ويُسمعُ رنينُ أجراسِ كاتدرائيّة سان-بيار. تتحدّثُ كلير مع النادلة. تقولان كلامًا عاديًّا حول الطقس، بتلك الخَنْخَنَةِ السويسريّة الكريهة. أنتظرُ حتى تطفئَ كلير سيجارتَها في المنفضة، فأطفئُ سيجارتي أنا أيضًا، وألمسُ أصابعَها. تَرْنو إليَّ. هل تعرفين كيفَ يا كلاوديا؟ مثلما كنتِ تَرْنِينَ إليّ وأنتِ في عليائكِ مختبئةً بين صخور الشاطئ، تنتظرين أن أخلّصَكِ من براثن الغول. كان عليكِ أن تتظاهري بأنّكِ لا تعرفين إنْ كنتُ قادمًا لتخليصِكِ من سجّانِك أمْ لقتلِكِ باسمه. لكنّكِ أحيانًا لا تستطيعين كتمَ ضحكتِك، فَيَفْسدُ المشهدُ لحظةً.

بدأتِ الخصومةُ بهفوةٍ منّي يا كلاوديا. اتّهمتْني كلير بالتقصير والإهمال، وبأنّني أسبّبُ لها أزمةً نفسيّة. ماذا كان بوسعنا أن نفعل؟ لو كان عندي على الأقلّ جوابٌ ما، لفعلتُ شيئًا. لكنّي انكفأتُ على نفسي بكلّ بساطة، وبقيتُ صامتًا، منزويًا، ولم أحاولْ ولو مجرّدَ الهروب من الموقف لأفعلَ شيئًا فيه بعضُ الذكاء. في البيت كانت لدينا كتبٌ وأسطواناتٌ موسيقيّة، لكني جلست أحلُّ الكلمات المتقاطعة في المجلّات.

” – عليكَ أن تحسمَ أمرَكَ يا خوان لويس، أرجوكَ [تقول كلير].

” – أنا أفكّر في الأمر.

” – لا تكنْ أحمقَ. أنا لا أعني ما جرى اليوم. بل أعني كلَّ شيء. هل سنُمضي حياتَنا كلَّها ونحن نرتّبُ وثائقَ الأمم المتحدة ونصنّفُها؟ أمْ أنَّها مجرّدُ مرحلةٍ انتقاليّةٍ نعيشُها، تسمحُ لنا بأن نصيرَ شيئًا آخرَ، أفضلَ، من دون أن نعرفَ ما هو حتى الآن؟ أنا مستعدّةٌ لتقبُّل كلّ شيء يا خوان لويس، لكنّي لا أستطيعُ اتخاذَ القرارات بمفردي. قلْ لي إنْ كانت حياتُنا المشتركةُ وعملُنا مجرّدَ مغامرةٍ عابرة؛ فأنا أتقبّلُ ذلك. وإنْ كانا أمريْن دائميْن، فسأتقبّلُ ذلك أيضًا. لكنّا لا نستطيع بعد الآن أن نتصرَّف كما لو أنّ العملَ عابرٌ والحبَّ دائمٌ، أو العكس، أتفهمني؟

كيف لي أن أشرحَ لها، يا كلاوديا، أنّني لا أفهم مشكلتَها؟ كنّا هناك في مقهى لاكليمانس، وكنتُ أرى الشبّانَ يَعْبرون أمامنا راكبين على درّاجاتهم، وأسمع وشوشاتِ مَن يحيطون بنا وضحكاتِهم وهي تختلط برنين أجراسِ الكاتدرائيّة. صدّقيني يا أختي أنّني أغمضتُ عينيَّ وصممتُ أذنيَّ عن كلِّ ما يحيطُ بي، وهربتُ منه كي أغرقَ في غياهب نفسي، فبحثتُ في عتمتها عن فسحةٍ مخبوءةٍ يتخلّلها بعضُ الضوء كي أتفكّر، وشددتُ كلَّ أوتار مشاعري كي أحفّزَ نفسي، وبسطتُ أجنحةَ أحاسيسي وقدرتي على التبصّر والتخمين، وكلّ ما يحيط بي من حاضري، حتى صرتُ مثلَ القوس المتوثّبة، فأطلقتُ سهمي على المستقبل كي أصيبَه وأستجليه. خرج السهمُ منطلقًا، ولم يرَ في طريقه أيَّ هدف يا كلاوديا، لم يكن هناك ما يبشّر بالخير في قادم الأيام. وكلُّ هذا الجهد النفسيّ المؤلم الذي بذلتُه – شعرتُ ببرودةٍ في يدي – لم يُجْدِ نفعًا، بل أحسستُ أنّه يتلاشى كما تتلاشى مدينةٌ من الرمال أمام أول تدافعٍ للأمواج؛ لكنّه لا يتلاشى كي يضيعَ ويتبدّد، بل كي يرتدَّ عليَّ، إلى ذلك المحيطِ الذي يُسمَّى الذاكرة؛ إلى الطفولة، إلى الألعاب، إلى شاطئنا، إلى الفرح والدفء اللذيْن تحاول أيُّ علاقةٍ أخرى بين شخصيْن أن تستبطنَهما، وتطيلَ أمدَهما، وتعتبرَهما أملَها الآتي، وتستولدَ منهما مسرّاتِ الحاضر.

أجل، قلتُ لها إنّني موافق؛ سوف نبحث عن شقّةٍ أكبر. كلير سوف تنجب ولدًا عمّا قريب.”

كلير نفسُها كتبتْ إليَّ رسالةً، بذلك الخطِّ الذي لم أرَهُ إلّا في بطاقة مونترو البريديّة: “أعرفُ كِبَرَ خوان لويس في عينيْكِ، وكيف تَرَعْرَعْتُما معا، وأعرف القصّةَ حتى نهايتها. لديَّ رغبةٌ عارمةٌ في أن أتعرَّفَ إليكِ شخصيًّا، وأعلمُ أنّنا سنكون أعزَّ صديقتيْن. صدقّيني، إنّني أعرفُكِ. خوان لويس يتحدّث عنكِ مطوّلًا، حتى إنّني أشعرُ أحيانًا بالغيرة والحسد. ليتَكِ تستطيعينَ المجيءَ لزيارتنا ذاتَ يوم. إنّ مسيرةَ خوان لويس المهنيّة مشرِّفة، والجميعُ يقدّرونَه هنا. جنيف صغيرة، لكنّها جميلة. لقد أحببنا المدينةَ، وتعلّقنا بها للأسباب التي لا يصعب عليكِ تخمينُها، وهنا سوف نعيشُ حياتَنا. لا يزال في وسعي أن أعملَ عدّة شهور أخرى؛ فحمْليَ لم يتجاوز الشهرَ الثاني بعد. المُحِبَّة، كلير.”

ثم سقطتِ الصّورةُ الجديدةُ من المغلّف الذي كان على ذراع الأريكة. لقد أصبحتَ سمينًا، ولَفَتَّ نظري إلى ذلك على قفا الصورة: “ما أطيبَ الجبنَ السويسريَّ يا أختاه!”، وصرتَ أصلعَ مثل أبيك. أمّا هي فجميلة جدًّا، كأنّها رسمٌ من رسوم بوتيتشيلّي، بشعرها الطويل الأشقر وقبّعتِها الظريفة. هل جُنِنْتَ يا خوان لويس؟ كنتَ شابًّا جميلًا حين غادرتَ مكسيكو. انظرْ إلى نفسكَ في المرآة الآن. هل رأيتَها؟ انتبهْ إلى طعامكَ ولا تسرفْ فيه. أنت في السابعة والعشرين، لكنكَ تبدو ابنَ أربعين. ماذا تقرأ وتطالع يا خوان لويس؟ وما الذي يَشغل بالكَ؟ الكلمات المتقاطعة؟ لا يمكن أن تخونَ ذاتَكَ، أرجوكَ، فأنتَ تعرف أنّ حياتي مرتبطةٌ بحياتكَ، وأنّني أكبرُ وأنمو معك؛ لا يمكنك أن تتخلّف عن ذلك. لقد قطعتَ وعدًا بأنكَ ستتابعُ دروسَكَ هناك، وقلتَ ذلك لوالدنا. يتعبُكَ العملُ الروتينيُّ الرتيب. لا رغبةَ لديكَ سوى أن تعودَ إلى شقّتك، فتقرأَ الجريدة وتخلعَ حذاءك. أليسذلك صحيحًا؟ أنتَ لا تقول ذلك، لكنّني أعرف أنّه صحيح. لا تدمِّر نفسكَ، أرجوكَ. أنا ما زلتُ وفيّةً، على العهد. أحفظُ جمرةَ طفولتنا متَّقدةً. لا يهمّني أن تكونَ بعيدًا. ولكنْ علينا أن نظلَّ متَّحدَيْن في ما يجمعنا؛ لا يمكننا أن نستسلمَ أبدًا لأيّ شيء يقتضي منّا أن نغيّرَ أنفسَنا (أنسيتَ ما قلتَ لي؟) إنْ لم يتجسّدْ في الحبّ والذكاء والشباب والرويّة والسكون. يريدون تشويهَنا، جعلَنا مثلَهم؛ لا يتسامحون معنا. لا تخضعْ، أرجوكَ يا خوان لويس، لا تنسَ ما قلتَه لي في ذلك المساء في مقهى الماسكارونِس. فما إنْ تخطو الخطوةَ الأولى على هذا الطريق حتى يضيعَ كل شيء، ويستحيلَ الرجوع.

كان لا بدّ من أن أُرِيَ رسالتَك لوالدينا. مرضتْ أمُّكَ. أصيبت بارتفاع التوتّر الشريانيّ. هي الآن في المشفى، في قسم الأمراض القلبيّة. آملُ ألّا أخبرَكَ أخبارًا أسوأ في رسالتي المقبلة. أنتَ في البال، وأتذكّركَ دومًا، وأعرفُ أنكَ لن تخيّب ظنّي.

وصلتْ منكَ رسالتان. الأولى موجّهة إليَّ، وتقول فيها إنّ كلير أجْهضَتْ. والثانية موجّهة إلى أمِّكَ، تخبرُها فيها أنّكَ ستتزوّج كلير بعد شهر، وتأملُ أن نتمكّنَ جميعًا من الذهاب إلى جنيف وحضورِ العرس. طلبتُ إلى أمي أن تسمحَ لي بحفظِ رسالتِها مع رسائلي. وضعتُ الرسالتيْن متجاورتيْن، ودرستُ خطَّكَ فيهما، ودقَّقتُ فيه حتى أتأكدَّ أنّ مَن كتبَهما هو الشخصُ نفسُه.

“كان قرارًا سريعًا يا كلاوديا. قلتُ لها إنّ من المبكّر أن نتزوّج؛ فنحن في مرحلة الشباب، ولنا الحقّ في أن نعيشَ بعضَ الوقت بلا مسؤوليّات. وافقتْ كلير على ما قلتُ. ولا أعلم هل فهمتْ كلَّ ما قلتُه لها أمْ لا. أمّا أنتِ فقد فهمتِ، أليس كذلك؟”

“أحبُّ هذه البنت، أعرفُ ذلك. لقد كانت لطيفةً معي ومتفهِّمة. حتى إنّني سبَّبْتُ لها أحيانًا بعضَ المعاناة؛ سوف يسرُّكم أن أعوِّضَ لها ما فات. والدُها أرمل؛ مهندسٌ ويعيش في نوشاتيل. وهو موافقٌ على زواجنا، وسوف يَحْضر العرس. ليتكِ أنتِ وأبي وكلاوديا تستطيعون الحضورَ وتكونون معنا. عندما تتعرّفينَ إلى كلير، سوف تحبّينَها مثلما تحبّينني يا أمّي.”

بعد ثلاثة أسابيع انتحرتْ كلير. اتّصل بنا هاتفيًّا أحدُ زملائكَ في العملِ؛ قال إنّها طلبتْ، ذاتَ مساء، إذنًا للخروج من المكتب. كان رأسُها يوجعها. دخلتْ باكرًا إلى إحدى دور السينما، وذهبتَ أنتَ إلى الشقّة، كالعادة، كي تراها. انتظرتَها ولم تأتِ، فانطلقتَ تجوبُ المدينةَ بحثًا عنها. لكنّكَ لم تتمكّنْ من العثور عليها. كانت ميتةً في السينما. فقد تناولتْ أقراص الفِرونال المنوِّمة قبل الدخول، وجلستْ وحيدةً في الصفّ الأوّل، حيث لا يُمْكن أحدًا أن يزعجَها. اتصلتَ بنوشاتيل تسأل عنها، وعدتَ تجوبُ الشوارعَ والمطاعم. ثم جلستَ في مقهى لاكليمانس حتى ساعةِ إغلاقه. لم يتّصلوا بكَ من برّاد حفظِ الموتى في المستشفى حتى اليوم التالي، فذهبتَ لرؤيتها. صديقُك قال لنا إنّ علينا الذهابَ إلى جنيف من أجلكَ، ومن أجل إرغامكَ على العودة إلى مكسيكو؛ فلقد جُنِنْتَ من الألم. بيَّنتُ الحقيقةَ لوالدينا. أريتُهما رسالتَكَ الأخيرةَ التي أرسلتَها إليّ. أصيبا بالجمود، ثم قال أبي إنّه لن يسمح لكَ بدخول المنزل بعد الآن. قال، وهو يصرخ، إنّكَ مجرم.

أنهيتُ قهوتي، فأشار أحدُ الموظفين إليَّ حيث كنتُ جالسة، وكان برفقته رجلٌ طويل. أومأ الرجلُ الطويلُ إلى الموظّف برأسه موافقًا، ثمَّ تقدّم نحوي، وكانت ياقةُ معطفه مرفوعةً حتى أذنيْه. هذه هي المرّةُ الأولى التي أرى فيها هذا الوجهَ المحمرَّ، ذا العينيْن الزرقاويْن والشعر الأبيض.

يستأذنُ بالجلوس ويسألُني إنْ كنتُ أختَكَ. أقولُ له نعم. يقول إنّه والدُ كلير. لا يمدُّ لي يدَه للمصافحة. أسألُه إنْ كان يريدُ فنجانًا من القهوة. يجيبُ نافيًا برأسه، ويُخرِجُ علبةَ السجائر من جيب معطفه. يقدّمُ إليّ سيجارةً. أقول له إنّي لا أدخن. يحاولُ أن يبتسمَ، فأضعُ نظّارتي السوداءَ على عينيَّ. يدسُّ يدَه ثانيةً في جيب معطفه ويستلَّ منه ورقة. يضعها على الطاولة مطويّةً.

– أحضرتُ إليكِ هذه الرسالة.

أحاول استيضاحَه وأنا أرفع حاجبيَّ.

– عليها توقيعُكِ. إنّها موجَّهة إلى ابنتي. كانت على مخدّة خوان لويس في الصباح الذي وجدوه فيه ميتًا في الشقّة.

– آه، أجل. لطالما تساءلتُ ماذا حلَّ بهذه الرسالة. لقد بحثتُ عنها في كلّ الأمكنة.

– أجل، خطرَ في بالي أن تكوني راغبةً في الاحتفاظ بها.

يبتسمُ الآن كأنّه يعرفني فعلًا.

– أنتِ بلا حياء، ومستهترةٌ بالآخرين. ولكنْ لا تقلقي. ولماذا القلق؟ لا فائدة بعد الآن من أيِّ شيء.

ينهضُ من دون أن يودِّعَني. عيناه الزرقاوان تنظران إليَّ بحزنٍ وإشفاق. أحاولُ أن أبتسمَ، ثم ألتقطُ الرسالة بيدي. مكبِّرُ الصوت يعلو:

– السادة المسافرون على الرحلة رقم 707، المتّجهة إلى باريس، فغاندر، ثم نيويورك، فمكسيكو، يُرجى التوجّهُ إلى البوّابة رقم 5.

أتناولُ أغراضي وأسوّي قبّعتي على رأسي، ثم أهبطُ إلى بوّابة المغادرة. أحملُ الحقيبةَ في يد، والمحفظةَ في اليد الأخرى، وبين أصابعي بطاقة ركوب الطائرة. لكنّي أفلح، وأنا بين البوّابة وسلّمِ الطائرة، في تمزيقِ الرسالة ورميِ مزقِها إلى الريح الباردة، إلى الضّباب الذي قد يحملُها إلى البحيْرة، حيث تغوصُ يا خوان لويس باحثًا عن السراب.

* رابط الفيلم على اليوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=YmAEdRuj8AQ

** رسّام مكسيكيّ، اشتُهر بأعماله الجداريّة الضخمة (1883-1949).

 *** رسّام مكسيكي آخر، اشتُهر أيضًا بأعماله الجداريّة الضخمة (1886-1957).

يُعتبر الروائيّ المكسيكيّ كارلوس فوينتس (1928-2012) واحدًا من أعمدة أدب أميركا اللاتينيّة في نهاية القرن العشرين، وكثيرًا ما يُدرِج النقّادُ أدبَه تحت مسمّى “الواقعيّة السحريّة.” درس علمَ الاجتماع، وعمل دبلوماسيًّا في غير بلد، وكتب العديدَ من الروايات التي نالت شهرةً عالميّةً وتُرجمتْ إلى لغاتٍ عديدة، نذكر منها: أورا، والمنطقة الأكثر شفافيّة.نال العديدَ من الجوائز مثل جائزة أمير أستورياس (إسبانيا 1994). رُشّح لجائزة نوبل مرّات عديدة، لكنّه لم ينلها.

في العام 1964 نشر مجموعةً قصصيّةً بعنوان غناء العميان، أقدِّم هنا ترجمتي لقصّةٍ منها بعنوان “النفس النقيّة.” في هذه القصة تتذكّر كلاوديا علاقتَها بأخيها خوان لويس عبر الرسائل. وكانت هذه القصّة قد كُتبت سيناريو لفيلم سينمائيّ* عُرض على الشاشات سنة 1965.

المترجم

الآداب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى